القاسم بن إبراهيم الرسي
349
مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي
وكدّه ، ولا الفقير ينجو من الكد فيه بجهده ، يسعى الغني فيه خوفا من العدم ، ويكد الفقير طلبا للمغنم ، فجدة الغني فيه فقر ، ومغنم الفقير منه خسر ، يخاطرون لذلك في أهوال البحور ، ويركبون لطلبه كل باب من أبواب الفجور ، فأقرب ما يكونون « 1 » من السرور به ، أقرب ما يكونون « 2 » من الغم بسلبه . فكم في الدنيا من غريق في لجج البحار ؟ ! وكم فيها ولها من مبتلى بقتل أو أسار ؟ ! وكم لطالبها ، وإفراطه في حبها ، من ميت غريب ناء عن الولد والأوطان ، بين غتم « 3 » لا يعرفونه ، وطماطم « 4 » من السودان ينكرونه ، لم يبكه هنالك ولده ولا قرباه ، ولم تأسف عليه كما أسف عليها دنياه ، بل تخلّوا جميعا منه ، وأعرضوا سريعا عنه ، فورثوه غير حامدين له فيما جمع ، وأسلموه إذ مات لما عمل وصنع ، ولعل قائلا منهم أن يقول : ما كان أفحش حرصه وإيعاثه ، « 5 » أو قائلا منهم يقول : ما أقل أو ما أكثر تراثه ، تلعبا بذكره ، وتفكها في أمره . فأعرضوا هذا - رحمكم اللّه - على قلوبكم لأن ينجلي لكم إن شاء اللّه ما فيها عن الدنيا من العمى ، وانظروا إلى من زالت عنه القدرة من أبناء الملوك والعظماء ، كيف صاروا إلى الضعة بعد الرفعة ، والضيق بعد مضطربهم من السعة ، بل انظروا بعد هذا كله ، إلى من كان هذا أكثر شغله ، ألم تروا غلطهم في مسالكهم ، ومرتطمهم في مهالكهم ، فاعتبروا بهم قبل أن تغرقوا في بحرهم ، وتقعوا في مهالك أمرهم ، وآثروا سبيل أحباء اللّه على كل سبيل ، واستدلوا بما كان لهم على سبيلهم من دليل ، فإن سبيلهم فيه ، وعونهم كان عليه ، ما خالط فكرهم ، وأحيوا به في الفكر ذكرهم ، من نعيم الآخرة الدائم المقيم ، وما أعد اللّه لمن حادّه من العذاب الأليم . ففكروا - رحمكم اللّه - كما فكروا ، تبصروا إن شاء اللّه من فضل سبيلهم ما
--> ( 1 ) في ( ب ) و ( د ) : ما يكون . وسقط من ( ب ) : من . ( 2 ) في ( ب ) و ( د ) : ما يكون . ( 3 ) الأغتم : من لا يفصح شيئا ، جمعه : غتم . ( 4 ) الطماطم : جمع طمطم . وهو الذي في لسانه عجمة . ( 5 ) إيعاثه : إفساده .